لماذا يجب عليك أن تقع في حب قارئ!


هل أنهيت كتابًا من الغلاف للغلاف؟ هل أغلقت كتابًا قبل أن تشعر أنّك عدت للعالم الحاضر من مكان آخر؟
وتلك التنهيدة الطويلة من أعماق صدرك، تحديقك في الفراغ، متمسكًا بالكتاب تتصارع الأفكار في رأسك، لا تعرف أي النقاط تستحق أن تبدأ التفكير والتحليل فيها أولا، هل النهاية هكذا عادلة؟ هل صحيحة؟ هل الكاتب يعرف ما يقول؟ هل استقاها من تجربة حقيقية؟ أم أنّ كاتبًا آخر أوحى له بكلّ هذا؟ هل قصّها عليه أحدهم في جلسة بوح؟ تتمسح بالغلاف الأمامي، حتمًا لقد قرأ المصمّم الكتاب لأن التصميم عبقري!
أم أنّ الكاتب عبقري في شرح ما رغب فيه للمصمم؟
تشعر بالسعادة، الأفكار تتدفق في رأسك، تغلق عينيك تستطعم اللذة، ترغب في إبقائها فترة أطول قبل أن تعود للواقع..
كما تقع في حبّ غريب لن تراه مرة أخرى، تنهي علاقتك مع الكتاب آسفًا، مع لمحة حنين تعصر قلبك لمعرفتك يقينًا أنها علاقة لن تتكرر أبدًا – ربما هو كاتب بارع ويكتب مرة أخرى؟ – تسكن للفكرة قليلا قبل أن تتنهد محاولا الإمساك ببقايا اللذة والرضا. أنت الآن مشبع ولا شيء يمكنه تعكير مزاجك.
هذا النوع من القراءة تبعا لدراسة قامت بها مجلة “التايم”، هي القراءة العميقة، وهو فعل على وشك الانقراض، والذين يقرؤون ويشعرون بهذه المتعة مع الكتب يقلّون شيئًا فشيئًا..
وأسوأ ما في أمر أنّ القراء الشغوفون يقلّون هو أنّهم أكثر لطفًا وذكاء من غيرهم، وربما هم أكثر الناس استحقاقا للوقوع في حبهم على هذه الأرض الضحلة.
وحسب دراستين في 2006 و 2009 في جامعة يورك الكندية: الذين يقرؤون الكتب الخيالية لديهم قدرة على التعاطف والتخيل أكثر من غيرهم، ليس هذا فحسب، بل لديهم قدرة خاصة يطلق عليها “نظرية العقل”* أو في الرياضيات “التجربة الفكرية”** وهي القدرة على طرح الأفكار وتداولها دون الاعتقاد بها. والقدرة على طرح الأسئلة والرضا بوجود أسئلة دون أجوبة، الرضا بوجود سؤال واحد وإجابات متنوعة وقبول ذلك بسهولة واقتناع.
يمكنهم اختلاق الأفكار، وتغذيتها وتقليبها والموافقة عليها دون الاعتقاد بها، يمكنك أن تؤمن بنظرية التطور دون أن تعتقد أنّ أصل الإنسان كان خليّة فردية، يمكنك أن ترفض نظرية المؤامرة مع الإيمان بالاستهداف –  ماذا فعلتَ لتكون غير مستهدفًا أو لتقاوم هذه مسألة أخرى -.
يمكنك أن تقول: هذه سمة في أي إنسان، حسنًا، لكنها تتغير بشكل كبير على حسب العلاقات الاجتماعية والخبرات الحياتية، القراءة تمنح الكثير من الخبرات، ما يختصر الكثير من العمر.
هل كنت على علاقة بقارئ من قبل؟ هل رأيته يتحدث بشغف عن كتاب من قبل؟ إذا كانت الإجابة بـ : لا. ربما عليك إعادة النظر في اختيارك!
ليست مفاجأة أن أقول: القرّاء هم أفضل على مستوى البشر، لديهم خبرات مجرّدة أكثر، تعلّموا من حيوات الآخرين، تعلّموا كيف يتركوا أجسادهم في مكان واحد بينما تحلّق أرواحهم في كل مكان.
لديهم اطلاع على أرواح الآخرين، وحكمة الآخرين مجموعة، رأوا أشياء يمكن أن يعيش ناس ويموتوا دون أن يعرفوها أو يسمعوا عنها.
يعرفون معنى أن تكون رجلا، أن تكون امرأة، أن تموت، أن تحيا حياة صاخبة، أن تكون مريضا تعاني من الأزمات المتكررة، يعرفون كيف هي الحرب، يملكون تجارب كل من قرؤوا لهم وكل من قرؤوا عنهم.
دراسة أخرى في 2010 أثبتت أن الأطفال الذين يقرأ لهم أبويهم في سن باكر لديهم الـقدرة على التخيل وتداول الأفكار أكثر من غيرهم، وينضجون ليصبحوا أكثر تفهّما وتكيّفا مع الظروف.
القراءة تقولبك وتمنحك شخصية أكثر ثراء، كل انتصار، كلّ درس، كل موقف صعب لبطل الرواية يصبح خبرة شخصية ذاتية، فيمنحك أفقًا أكبر. كل لحظة ألم، كل خسارة، كل حقيقة صادمة تصبح مسؤوليتك، تتحملها كما يتحملها البطل. ستسافر في كل مكان في كتب الرحلات، وستتعرف على أشخاص لن تراهم أبدًا في السير الذاتية، وستتعرف على خبرات أشخاص مهمّين خاضوا حيوات مثيرة في عالم السياسة أو الدين، ستعرف طعم الفرح والخوف والانتشاء والانتصار، ستعرف الدوّار والسُكر والبوح والرعب، ستعرف الأمومة والأبوّة، ستعرف كلّ شيء.
إذا كنت ما زلت تبحث عن شريك لحياتك، فاختر قارئًا؛ ستجدهم سعداء مع ذواتهم وبصحبة كتبهم. وستعرفهم فور التحدث معهم لبضع دقائق، وهذه أبرز علاماتهم:
1. هم لا يتكلمون معك وحسب، بل يتسامرون معك: سيكتبون لك قصصا وحكايات، سيسهبون في الحديث، ليس بطريقة سمجة، لن يجاوبوا الأسئلة باقتضاب ويمنحونك الإجابة. بل سيذهبون معك لأصل الفكرة والنظرية التي جاءت بها، سيمتعونك بأفكارهم وما يعرفون. وحسب دراسة “ماذا تفعل القراءة للعقل” التي تمت في جامعة كاليفورنيا: أثبت أنّ القراءة تثري اللغة بطريقة لن تمنحها إطلاقا أيّة دراسة.
تقول الدراسة: الجزء الأكبر من نمو المفردات اللغوية يحدث عن طريق التعرض للغة أكثر منه عن طريق التعليم المدرسي.  إذن، وكما يقول كاتب المقال: افعل في نفسك معروفًا وارتبط بمن يعرف كيف يستخدم لسانه.
2. هم يفهمونك بالفعل، كأنهم يرون روحك مباشرة ودواخلك التي لم يرها أحد، القراء يستطيعون التواصل معك حقًا، فتواصلهم مع شخصيات لم يروها أبدًا وتفاعلهم معها يجعل التواصل مع من يقابلونهم شخصيًا أسهل كثيرًا. ربما يختلفون معك لكنّني أعدك أنّهم سيستطيعون رؤية الأمور من وجهة نظرك.
3. ليسوا أذكياء وحسب، بل حكماء. ليسوا أذكياء بطريقة مستفزة كمن تراهم في أوائل الصفوف يحتكرون المعرفة، بل يستمتعون بتعليم الآخرين ونشر المعرفة، المحادثة الناجحة هي مهمة جدًا، والوقوع في حبّ قارئ لن يضمن المحادثة بينكما فحسب، بل سيطوّر من مستوى الحوار. فالقارئ لديه ثراء لغوي، ذكاء ومعرفة اكتسبهما من الخبرات التي قرأها، لديه قدرة على ربط الأحداث وتصنيف الأشياء، لديه وظائف معرفية أعلى من الإنسان العادي الذي لا يقرأ ويستطيع أن يتواصل بسهولة وكفاءة أكثر.
الارتباط بشخص يقرأ كالارتباط بشخصيات كثيرة في وقت واحد، ستكتسب خبرات أضعاف الشخص الواحد، فلديك كل الخبرات التي قرأها، كالارتباط بـعالم، ورومانسي ورحّالة في وقت واحد.
الارتباط بشخص يقرأ يمنحك حيوات أكثر.. ربما آلافًا منها.

One Comment Add yours

  1. Fatma says:

    ! How can I contact you

    Like

Share your thoughts with me!

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s