جوبا.. المدينة الملتهبة


بدأ الأمر بطائرة إيزي جيت الاقتصادية، لأنك لن تجد رحلات تابعة للطيران التجاري تذهب إلى جنوب السودان، لا أحد بكامل قواه العقلية يذهب إلى هناك، حين تصل للمطار ستذهل بكميّة طائرات الأمم المتحدة النائمة على الأرض، ستجبر على المرور بخيمة فقيرة يقف على رأسها أحدهم ويمسك بجهاز ويجب أن يطالع لون لسانك، لا تسأل لماذا، يبحلق فيك وكأنك ستأتي ناقلا للمرض، وستكتشف فيما بعد أنّه من المفترض أن تقوم بهذا الكشف قبل خروجك من هذا المكان!

جوبا.جنوب السودان

أدخل إلى قاعة المطار فتنهار كلّ أفكاري عن الإنسانية، تنسحق أمام رائحة المراحيض التي تزكم أنفاسي والحقائب المتناثرة على الأرض في كل مكان، والنوافذ الرخيصة التي يقف خلفها موظفوا الجوازات. أفكّر في التصوير، أخرج الهاتف المحمول ليصرخ أحدهم: ممنوع التصوير. فأتراجع فورًا، أتساءل: ما الذي فعلته بنفسي؟

جوبا، العاصمة، مدينة فقيرة للغاية، ومع ذلك، كل شيء فيها غال الثمن، عملتها رخيصة حقيرة والمسافرون جميعًا يدفعون بالدولار أو أي عملات أخرى، يقول لنا أحد العاملين في السلك الدبلوماسي:

ستلاحظون أنّ كلّ المنازل المهيأة للمغتربين بجوار المطار، نحن ننام مولّين وجوهنا نحو المطار.

بينما أقوم بالترتيب للمعرض، أسمع من أحد الأصدقاء أنّه تمت محاولة سرقته جهارًا نهارًا من راكب دراجة نارية، لكنّه قاوم حتى سقط وأفلت السارق. فقط لأنه عبر الشارع من الفندق للماركت المقابل، حسنا.. لن أخرج من باب الفندق إلا للمطار.

قمنا بجولة – بالسيارة – في المدينة بعد الظهر، درجة الحرارة فوق الأربعين رغم أننا في يناير، ستدرك حين تسافر أنّه لا علاقة للشهور بالفصول، ولا علاقة للتوقيت كذلك بأي شيء! عليك أن تعيد ضبط ساعتك وعقلك في كلّ مرة تقوم فيها بتغيير الأرض والناس.

زرنا أفخم كافيه في المدينة (في الصورة)، هذا هو أكبر كافيه، لا أحد يستثمر هنا في الأكل، الاستثمار كلّه في السكن المجهّز بأحدث أنظمة الأمن والفنادق، الغريب أنّك ستجد في الجراج أفخم أنواع سيارات الدفع الرباعية، لا يوجد سيارات صغيرة هنا، يشعرك الأمر أنّك في مكان حرب أو يستعد للحرب، أو الهرب.

ثم نمرّ أثناء جولة السيارة بأرجاء المدينة، ممنوع التصوير أيضًا، صفائح وأعشاش، ها هنا يعيش المواطنون! يا إلهي! لا شيء! كيف يعيشون؟ لا أدري! كلهم نحيفو الوجه تعلو ملامحهم البؤس والفقر والمرض.

يقول لي أحد الطلبة في بؤس: لم نكن نرغب في هذا الانقسام، أصبحنا أسوأ حالا من بعده.

كلّ الطلبة الذين رأيتهم، مهاجرون إلى دول الجوار، أوغندا، أو السودان الشمالية، الكلّ يبحث عن مكان صالح للمعيشة الآدمية، الكلّ لا يعرف لماذا الحرب الأهلية الطاحنة على الموارد دون تقسيم عادل. لا أحد يعرف.

النيل الأزرق في جنوب السودان
النيل الأزرق في جنوب السودان

Share your thoughts with me!

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s